753 - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ)، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيْ؟ قَالَ: (ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى)، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ عَامًا)؟. ثُمَّ الْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ، فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. 753 - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ) أَيْ: جُعِلَ مُتَعَبَّدًا لَا أَنَّهُ مَبْنِيٌّ بِجُدْرَانٍ (أَوَّلُ؟): بِضَمِّ اللَّامِ قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: وَهِيَ ضَمَّةُ بِنَاءٍ لِقِطْعِهِ عَنِ الْإِضَافَةِ مِثْلُ قَبْلُ وَبَعْدُ، وَالتَّقْدِيرُ أَوَّلُ كُلِّ شَيْءٍ، وَيَحُوزُ الْفَتْحُ مَصْرُوفًا وَغَيْرَ مَصْرُوفٍ نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَقَوْلُهُ: مَصْرُوفًا أَيْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ; لِأَنَّ الرَّسْمَ مَا يُسَاعِدُهُ هُنَا، وَقَوْلُهُ: غَيْرَ مَصْرُوفٍ أَيْ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَعَدَمِ انْصِرَافِهِ لِوَزْنِ الْفِعْلِ وَالْوَصْفِيَّةِ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، [ قَالَ: (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ): فَإِنَّهُ حَدَّدَهُ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، قُلْتُ: ثُمَّ أَيْ؟، قَالَ: ثُمَّ أَيْ؟، قَالَ: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ رَفَعَا قَاعِدَةَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بَعْدَمَا انْهَدَمَ، وَزَادَا فِيهِ [ قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ عَامًا): قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: فِيهِ إِشْكَالٌ ; لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بَنَى الْكَعْبَةَ، وَسُلَيْمَانَ بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ يَعْنِي، وَهُوَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ بِأَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ عَامٍ عَلَى مَا قَالَهُ أَهْلُ التَّوَارِيخِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ سُلَيْمَانَ هُوَ الَّذِي بَنَى الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى، مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى خِلَالَ ثَلَاثَاهُ، وَالْأَوْجَهُ فِي الْجَوَابِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الْإِشَارَةَ فِي الْحَدِيثِ إِلَى أَوَّلِ الْبِنَاءِ، وَوَضْعِ أَسَاسِ الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ إِبْرَاهِيمُ أَوَّلَ مَنْ بَنَى الْكَعْبَةَ، وَلَا سُلَيْمَانُ أَوَّلَ مَنْ بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ أَوَّلَ مَنْ بَنَى الْكَعْبَةَ آدَمُ، ثُمَّ انْتَشَرَ وَلَدُهُ فِي الْأَرْضِ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ قَدْ وَضَعَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ بَنَى إِبْرَاهِيمُ الْكَعْبَةَ، قَالَ الشَّيْخُ: قَدْ وَجَدْتُ مَا يَشْهَدُ لَهُ فَذِكْرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي كِتَابِ التِّيجَانِ أَنَّ آدَمَ لَمَّا بَنَى الْكَعْبَةَ أَمْرَهُ اللَّهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ)، وَأَنْ يَبْنِيَهُ فَبَنَاهُ وَنَسَكَ فِيهِ، وَبِنَاءُ آدَمَ لِلْبَيْتِ مَشْهُورٌ اهـ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَدَ عَلَى هَذَا الْمُسْتَشْكِلِ بِأَنَّهُ جَهِلَ التَّارِيخَ، فَإِنَّ سُلَيْمَانَ مُجَدِّدٌ لَا مُؤَسِّسٌ، وَالَّذِي، أَسَّسَهُ هُوَ يَعْقُوبُ بَعْدَ بِنَاءِ جَدِّهِ إِبْرَاهِيمَ الْكَعْبَةَ بِهَذَا الْمِقْدَارِ، وَاغْتَرَّ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِفَهْمِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَرَدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ بَيْنَهُمَا أَلْفَ سَنَةٍ وَلَيْسَ كَمَا فَهِمَ، وَقَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ: وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ بُنِيَا قَدِيمًا ثُمَّ خُرِّبَا ثُمَّ بُنِيَا، وَكُلٌّ اسْتُفِيدَ مِنَ الْحَدَثِ أَنَّ مَسْجِدَ مَكَّةَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ بِالْأَرْضِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ بِنَاءٍ وُضِعَ بِهَا، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لِلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [ ص: 630 ] وَسَبَبُ نُزُولِهَا قَوْلُ الْيَهُودِ: (بَيْتُ الْمَقْدِسِ أَفْضَلُ مِنَ الْكَعْبَةِ)، وَقَوْلُ الْمُسْلِمِينَ عَكْسَهُ فَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ فَقِيلَ: هُوَ أَوَّلُ مَا ظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ حِينَ خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ، فَخَلَقَهُ قَبْلَهَا بِأَلْفَيْ عَامٍ وَدَحَاهَا مِنْ تَحْتِهَا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَانَتِ الْكَعْبَةُ عَلَى الْمَاءِ، عَلَيْهَا مَلَكَانِ يُسَبِّحَانِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وُضِعَ الْبَيْتُ فِي الْمَاءِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ الدُّنْيَا بِأَلْفَيْ سَنَةٍ، ثُمَّ دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مَوْضِعَ هَذَا الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ شَيْءٌ مِنَ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ، وَأَنَّ قَوَاعِدَهُ لَفِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى، وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتِ الْكَعْبَةُ غُثَاءً عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَمِنْهَا دُحِيَتِ الْأَرْضُ، وَقِيلَ إِنَّ (آدَمَ حِينَ أُهْبِطَ اسْتَوْحَشَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ وَاصْنَعْ حَوْلَهُ نَحْوَ مَا رَأَيْتَ الْمَلَائِكَةَ تَصْنَعُ حَوْلَ عَرْشِي فَبَنَاهُ، رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: أُهْبِطَ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَلَمَّا كَانَ الطُّوفَانُ رُفِعَ فَصَارَ سُورًا فِي السَّمَاءِ، وَبَنَى إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَثَرِهِ، قَالَهُ قَتَادَةُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ بَنَاهُ آدَمُ وَحَوَّاءُ لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا: بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ إِلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ، وَأَمَرَهُمَا بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ، فَبَنَاهُ آدَمُ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالطَّوَافِ بِهِ، وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ أَوَّلُ النَّاسِ، وَهَذَا أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ قَبْلَهُ بُيُوتٌ وَأَوَّلُ مَنْ بَنَاهُ شِيثُ بْنُ آدَمَ، وَكَانَ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَهُ يَاقُوتَةً حَمْرَاءَ يَطُوفُ بِهَا آدَمُ يَأْنَسُ بِهَا، لِأَنَّهَا مِنَ الْجَنَّةِ ثُمَّ دُثِرَ مِنَ الطُّوفَانِ إِلَى أَنْ بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، وَقِيلَ: كَانَتْ قَبْلَهُ بُيُوتٌ، وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ بِالْأَرْضِ لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ أَيْضًا أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ"أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا"أَهُوَ بَيْتٌ بُنِيَ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: لَا، كَانَ نُوحٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ الْبُيُوتُ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَبْلَهُ، وَكَانَ فِي الْبُيُوتِ، وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِيهِ الْبَرَكَةُ وَالْهُدَى، وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، فَتَبَيَّنَ عَلَى أَنَّ الْوَضْعَ غَيْرُ الْبَنَّاءِ، وَصَحَّحَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هَذَا الْقَوْلَ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ مِنَ الْآيَةِ إِذْ وَضْعُ اللَّهِ لَهُ هُوَ جَعْلُهُ مُتَعَبَّدًا، فَدَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَى الْأَوَّلِيَّةِ فِي الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَوْلَى مِنْ ذِكْرِ الْأَوَّلِيَّةِ بَيَانُ الْفَضِيلَةِ تَرْجِيحًا لَهُ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَا تَأَثُّرَ لِأَوْلَوِيَّتِهِ فِي الْبِنَاءِ فِي هَذَا الْفَضْلِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا فِي الْإِسْلَامِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ذَلِكَ بِمَسْجِدِ قُبَاءٍ (ثُمَّ الْأَرْضُ لَكَ): أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ (مَسْجِدٌ) مَوْضِعُ صَلَاةٍ (فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ): وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَصْلَةٌ بِهَاءِ السَّكْتِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي سَأَلْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ عَنْ أَمَاكِنَ بُنِيَتْ مَسَاجِدَ وَاخْتُصَّتِ الْعِبَادَةُ بِهَا، وَأَيُّهَا أَقْدَمُ زَمَانًا؟ فَأَخْبَرْتُكَ بِوَضْعِ الْمَسْجِدَيْنِ وَتَقَدُّمِهِمَا عَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، ثُمَّ أُخْبِرُكَ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي مِنْ رَفْعِ الْجَنَاحِ وَتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ فِي أَدَاءِ الْعِبَادَةِ فِيهَا، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ): وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْبُخَارِيِّ: فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِلَفْظِ: وَكَانَ مَنْ قَبْلِي إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي كَنَائِسِهِمْ، وَمَرَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يُصَلِّي حَتَّى يَبْلُغَ مِحْرَابَهُ، وَبِهِ يَبْطُلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ مَعْنَى حَدِيثِ: جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَجُعِلَتْ لِغَيْرِي مَسْجِدًا لَا طَهُورًا ; لِأَنَّ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَسِيحُ فِي الْأَرْضِ وَيُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ اه، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: جَعَلَ اللَّهُ لِعِيسَى مَوَاضِعَ مِحْرَابًا لَهُ، أَوْ خُصَّ عِيسَى بِالْعُمُومِ لِكَوْنِهِ تَابِعًا لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ. أَيْ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَهُوَ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ سَتَرْتَهُ إِذَا غَطَّيْتَهُ، وَبِالْكَسْرِ وَاحِدُ السُّتُورِ، وَالْأَسْتَارِ وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِطَهَارَةِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ.
753 - وعن ابي ذر رضي الله عنه، قال: قلت يا رسول الله اي مسجد وضع في الارض اول؟ قال: (المسجد الحرام)، قال: قلت: ثم اي؟ قال: (ثم المسجد الاقصى)، قلت: كم بينهما؟ قال: (اربعون عاما)؟. ثم الارض لك مسجد، فحيثما ادركتك الصلاة فصل). متفق عليه. 753 - (وعن ابي ذر رضي الله عنه، قال: قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! اي مسجد وضع في الارض) اي: جعل متعبدا لا انه مبني بجدران (اول؟): بضم اللام قال ابو البقاء: وهي ضمة بناء لقطعه عن الإضافة مثل قبل وبعد، والتقدير اول كل شيء، ويحوز الفتح مصروفا وغير مصروف نقله الابهري، وقوله: مصروفا اي في غير هذا الموضع ; لان الرسم ما يساعده هنا، وقوله: غير مصروف اي بالنصب على الظرفية، وعدم انصرافه لوزن الفعل والوصفية نحو قوله تعالى: والركب اسفل منكم، [ قال: (المسجد الحرام): فإنه حدده إبراهيم - عليه السلام -، قلت: ثم اي؟، قال: ثم اي؟، قال: المسجد الاقصى قال الطيبي: إن داود وسليمان عليهما السلام رفعا قاعدة المسجد الاقصى بعدما انهدم، وزادا فيه [ قلت: كم بينهما؟ قال: (اربعون عاما): قال الابهري: فيه إشكال ; لان إبراهيم بنى الكعبة، وسليمان بنى بيت المقدس يعني، وهو بعد إبراهيم باكثر من الف عام على ما قاله اهل التواريخ، والدليل على ان سليمان هو الذي بنى المسجد الاقصى، ما رواه النسائي من حديث عبد الله سال الله تعالى خلال ثلاثاه، والاوجه في الجواب ما ذكره ابن الجوزي ان الإشارة في الحديث إلى اول البناء، ووضع اساس المسجد، وليس إبراهيم اول من بنى الكعبة، ولا سليمان اول من بنى بيت المقدس، فقد روينا ان اول من بنى الكعبة آدم، ثم انتشر ولده في الارض، فجائز ان يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس، ثم بنى إبراهيم الكعبة، قال الشيخ: قد وجدت ما يشهد له فذكر ابن هشام في كتاب التيجان ان آدم لما بنى الكعبة امره الله بالمسير إلى بيت المقدس)، وان يبنيه فبناه ونسك فيه، وبناء آدم للبيت مشهور اهـ. قال ابن حجر: ورد على هذا المستشكل بانه جهل التاريخ، فإن سليمان مجدد لا مؤسس، والذي، اسسه هو يعقوب بعد بناء جده إبراهيم الكعبة بهذا المقدار، واغتر ابو حاتم بن حبان البستي في صحيحه بفهم هذا الحديث على ظاهره ان بين إبراهيم وداود اربعين سنة، ورد على من زعم ان بينهما الف سنة وليس كما فهم، وقال الحافظ الضياء المقدسي: وجه الحديث ان هذين المسجدين بنيا قديما ثم خربا ثم بنيا، وكل استفيد من الحدث ان مسجد مكة اول مسجد وضع بالارض، ولا يلزم من ذلك ان يكون اول بناء وضع بها، وقد اختلف العلماء في قوله تعالى: إن اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين [ ص: 630 ] وسبب نزولها قول اليهود: (بيت المقدس افضل من الكعبة)، وقول المسلمين عكسه فقيل: معناه انه اول بيت وضع مطلقا وعليه فقيل: هو اول ما ظهر على وجه الماء حين خلق الله الارض، فخلقه قبلها بالفي عام ودحاها من تحتها. قال ابو هريرة: كانت الكعبة على الماء، عليها ملكان يسبحان الليل والنهار قبل الارض بالفي سنة وقال ابن عباس: وضع البيت في الماء على اربعة اركان قبل ان تخلق الدنيا بالفي سنة، ثم دحيت الارض من تحته، وقال مجاهد: لقد خلق الله تعالى موضع هذا البيت قبل ان يخلق شيء من الارض بالفي سنة، وان قواعده لفي الارض السابعة السفلى، وقال كعب: كانت الكعبة غثاء على الماء قبل ان يخلق السماء والارض باربعين سنة، ومنها دحيت الارض، وقيل إن (آدم حين اهبط استوحش، فاوحى الله تعالى إليه ابن لي بيتا في الارض واصنع حوله نحو ما رايت الملائكة تصنع حول عرشي فبناه، رواه ابو صالح، عن ابن عباس، وقيل: اهبط مع آدم - عليه السلام -، فلما كان الطوفان رفع فصار سورا في السماء، وبنى إبراهيم عليه الصلاة والسلام على اثره، قاله قتادة، وقيل: معناه بناه آدم وحواء لما رواه البيهقي في دلائل النبوة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا: بعث الله تعالى جبريل إلى آدم وحواء، وامرهما ببناء الكعبة، فبناه آدم ثم امره بالطواف به، وقيل له: انت اول الناس، وهذا اول بيت وضع للناس، وقيل: إنه كان قبله بيوت واول من بناه شيث بن آدم، وكان قبل ان يبنيه ياقوتة حمراء يطوف بها آدم يانس بها، لانها من الجنة ثم دثر من الطوفان إلى ان بناه إبراهيم، وقيل: كانت قبله بيوت، ولكنه اول مسجد وضع بالارض لما رواه البيهقي في الدلائل ايضا ان عليا كرم الله وجهه، ساله رجل عن"اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا"اهو بيت بني في الارض؟ قال: لا، كان نوح قبله، وكان البيوت وكان إبراهيم قبله، وكان في البيوت، ولكنه اول بيت وضع فيه البركة والهدى، ومن دخله كان آمنا، فتبين على ان الوضع غير البناء، وصحح بعض المتاخرين هذا القول ووجهه انه المتيقن من الآية إذ وضع الله له هو جعله متعبدا، فدلالة الآية على الاولية في الفضل والشرف امر لا بد منه ; لان المقصود الاولى من ذكر الاولية بيان الفضيلة ترجيحا له على بيت المقدس، ولا تاثر لاولويته في البناء في هذا الفضل، ونقل ابن الجوزي: ان اول من بنى مسجدا في الإسلام عمار بن ياسر، قال ابن حجر: ذلك بمسجد قباء (ثم الارض لك): ايها المخاطب (مسجد) موضع صلاة (فحيثما ادركتك الصلاة فصل): وفي نسخة صحيحة: فصلة بهاء السكت، قال الطيبي: يعني سالت يا ابا ذر عن اماكن بنيت مساجد واختصت العبادة بها، وايها اقدم زمانا؟ فاخبرتك بوضع المسجدين وتقدمهما على سائر المساجد، ثم اخبرك بما انعم الله علي وعلى امتي من رفع الجناح وتسوية الارض في اداء العبادة فيها، (متفق عليه): وفي بعض طرق البخاري: فاينما ادركتك الصلاة فصل فإن الفضل فيه، وفي رواية عمرو بن شعيب بلفظ: وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم، ومر في حديث ابن عباس: ولم يكن احد من الانبياء يصلي حتى يبلغ محرابه، وبه يبطل قول من قال معنى حديث: جعلت لي الارض مسجدا وطهورا، وجعلت لغيري مسجدا لا طهورا ; لان عيسى - عليه السلام - كان يسيح في الارض ويصلي حيث ادركته الصلاة اه، ويمكن ان يقال: جعل الله لعيسى مواضع محرابا له، او خص عيسى بالعموم لكونه تابعا لنبينا عليه الصلاة والسلام في آخر عمره. اي: ستر العورة وسائر الاعضاء، وهو بالفتح مصدر سترته إذا غطيته، وبالكسر واحد الستور، والاستار وهو متضمن لطهارة الثوب والبدن.
Abu Dharr said that he asked God’s Messenger which mosque was set up first in the earth and was told that it was the sacred mosque. He asked which came next and was told that it was the Aqsa mosque. He asked how long a space of time separated their building and the Prophet told him it was forty years, adding,“Then the earth is a mosque for you, so pray wherever you are at the time of prayer.”(Bukhari and Muslim.)