صحيح ابن خزيمه
Sahih Ibn Khuzaymah
(572) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ بِذِكْرِ لَفْظٍ عَامٍّ مُرَادُهُ خَاصٌّ
(573) بَابُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ بَعْضَ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ لَا الْمَكْتُوبَةَ وَجَمِيعَ التَّطَوُّعِ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِخْبَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» دَالَّةٌ، وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ النَّاسِيَ إِذَا نَسِيَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً، فَذَكَرَهَا بَعْدَ الصُّبْحِ أَوْ بَعْدَ الْعَصْرِ، أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِنْ ذَكَرَهَا بَعْدَ الصُّبْحِ، وَقَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِنْ ذَكَرَهَا بَعْدَ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا نَهَى عَنِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ» ، إِذْ لَوْ كَانَ نَهْيُهُ عَنْ جَمِيعِ الصَّلَاةِ فَرْضِهَا وَتَطَوُّعِهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُصَلَّى فَرِيضَةٌ بَعْدَ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا لَهَا، فَذَكَرَهَا فِي أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ، وَالدَّلِيلُ الثَّانِي أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بَعْضَ التَّطَوُّعِ لَا كُلَّهَا، سَأُبَيِّنُهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
قال ابو بكر: إخبار النبي صلى الله عليه وسلم: «من نسي صلاة، فليصلها إذا ذكرها» دالة، وإجماع المسلمين جميعا على ان الناسي إذا نسي صلاة مكتوبة، فذكرها بعد الصبح او بعد العصر، ان عليه ان يصليها قبل طلوع الشمس إن ذكرها بعد الصبح، وقبل غروب الشمس إن ذكرها بعد العصر؛ لان «النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن التطوع بعد الصبح قبل طلوع الشمس، وبعد العصر قبل غروب الشمس» ، إذ لو كان نهيه عن جميع الصلاة فرضها وتطوعها لم يجز ان تصلى فريضة بعد الصبح قبل طلوع الشمس، ولا بعد العصر قبل غروب الشمس، وإن كان ناسيا لها، فذكرها في احد هذين الوقتين، والدليل الثاني انه إنما اراد بعض التطوع لا كلها، سابينه في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله
(574) بَابُ الزَّجْرِ عَنْ تَحَرِّي الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا
وَالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ السَّكْتَ لَا يَكُونُ خِلَافَ النُّطْقِ وَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِالسَّكْتِ عَلَى النُّطْقِ عَلَى مَا يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ، إِذْ لَوْ جَازَ الِاحْتِجَاجُ بِالسَّكْتِ عَلَى النُّطْقِ لَكَانَ فِي قَوْلِهِ: لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ إِبَاحَةُ الصَّلَاةِ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي مُتَحَرِّيًا بِصَلَاتِهِ طُلُوعَ الشَّمْسِ
والدليل على ان السكت لا يكون خلاف النطق ولا يجوز الاحتجاج بالسكت على النطق على ما يتوهمه بعض من يدعي العلم، إذ لو جاز الاحتجاج بالسكت على النطق لكان في قوله: لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إباحة الصلاة إذا طلعت الشمس وإن كان المصلي متحريا بصلاته طلوع الشمس
نَا
مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا
يَحْيَى ، نَا
هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، حَدَّثَنِي
أَبِي ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ ، ح وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ بْنِ كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا
ابْنُ بِشْرٍ ، نَا
هِشَامٌ ، عَنْ
أَبِيهِ ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" لا تَحَرَّوْا بِصَلاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَلا غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ" وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" إِذَا بَرَزَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَمْسِكُوا عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى يَسْتَوِيَ، فَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَمْسِكُوا عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى يَغِيبَ" وَهَذَا حَدِيثُ بُنْدَارٍ وَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ:" فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بِقَرْنَيْ شَيْطَانٍ
نا
محمد بن بشار ، نا
يحيى ، نا
هشام بن عروة ، حدثني
ابي ، عن
ابن عمر ، ح وحدثنا
محمد بن العلاء بن كريب ، حدثنا
ابن بشر ، نا
هشام ، عن
ابيه ، عن
ابن عمر ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها، فإنها تغرب بين قرني شيطان" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا برز حاجب الشمس فامسكوا عن الصلاة حتى يستوي، فإذا غاب حاجب الشمس فامسكوا عن الصلاة حتى يغيب" وهذا حديث بندار وقال ابو كريب:" فإنها تطلع بقرني شيطان
حَدَّثَنَا
بُنْدَارٌ ، نَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ ، عَنْ
سِمَاكٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ
الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ ، يَقُولُ: قَالَ
سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:
" لا تُصَلُّوا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ، وَلا حِينَ تَغْرُبُ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَتَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ" وَفِي خَبَرِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا" دِلالَةٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَهَى عَنِ الصَّلاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ قَدْ نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَكَذَا خَبَرُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ: حَتَّى تَرْتَفِعَ، خَرَّجْتُ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ
حدثنا
بندار ، نا
محمد بن جعفر ، حدثنا
شعبة ، عن
سماك ، قال: سمعت
المهلب بن ابي صفرة ، يقول: قال
سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
" لا تصلوا حين تطلع الشمس، ولا حين تغرب، فإنها تطلع بين قرني شيطان، وتغرب بين قرني شيطان" وفي خبر الصنابحي، عن النبي صلى الله عليه وسلم:" إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها" دلالة على ان النبي صلى الله عليه وسلم لما نهى عن الصلاة في تلك الساعة قد نهى عن الصلاة بعد طلوع الشمس حتى ترتفع، وكذا خبر عمرو بن عبسة: حتى ترتفع، خرجت هذين الخبرين في غير هذا الباب
(575) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّطَوُّعِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ
وَهَذَا مِنَ الْجِنْسِ الَّذِي أَعْلَمْتُ أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالسَّكْتِ عَلَى النُّطْقِ غَيْرُ جَائِزٍ، إِذْ لَوْ جَازَ الِاحْتِجَاجُ بِالسَّكْتِ عَلَى النُّطْقِ لَجَازَ الِاحْتِجَاجُ بِأَخْبَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَنْ يُقَالَ: قَدْ سَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ عَنِ الزَّجْرِ عَنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ إِذَا قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، فَيُقَالُ: الصَّلَاةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ جَائِزَةٌ أَوْ يُقَالُ: هَذِهِ الْأَخْبَارُ خِلَافُ الْأَخْبَارِ الَّتِي فِيهَا النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ إِذَا قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ
وهذا من الجنس الذي اعلمت ان الاحتجاج بالسكت على النطق غير جائز، إذ لو جاز الاحتجاج بالسكت على النطق لجاز الاحتجاج باخبار النبي صلى الله عليه وسلم: لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس ان يقال: قد سكت النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الاخبار عن الزجر عن صلاة التطوع إذا قام قائم الظهيرة، فيقال: الصلاة في ذلك الوقت جائزة او يقال: هذه الاخبار خلاف الاخبار التي فيها النهي عن الصلاة إذا قام قائم الظهيرة
حَدَّثَنَا
يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّدَفِيُّ ، حَدَّثَنَا
ابْنُ وَهْبٍ ، وَأَخْبَرَنَا
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، أَنَّ
ابْنَ وَهْبٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَجُلا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سَاعَةٌ تَأْمُرُنِي أَنْ لا أُصَلِّيَ فِيهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" نَعَمْ،
إِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَأَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ" وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ:" حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنِي الشَّيْطَانِ، ثُمَّ الصَّلاةُ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ حَتَّى يَنْتَصِفَ النَّهَارُ، فَإِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ فَأَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، إِنَّهُ حِينَئِذٍ تُسَعَّرُ جَهَنَّمُ، وَشِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ فَالصَّلاةُ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ حَتَّى يُصَلَّى الْعَصْرُ فَإِذَا صَلَّيْتَ الْعَصْرَ فَأَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ" قَالَ يُونُسُ: قَالَ: صَلَوَاتٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ:" ثُمَّ الصَّلاةُ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ حَتَّى يُصَلَّى الصُّبْحُ" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَوْ جَازَ الاحْتِجَاجُ بِالسَّكْتِ عَلَى النُّطْقِ كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ الدَّلِيلُ عَلَى الْمَنْصُوصِ لَجَازَ أَنْ يُحْتَجَّ بِأَخْبَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِبَاحَةُ الصَّلاةِ عِنْدَ بُرُوزِ حَاجِبِ الشَّمْسِ قَبْلَ أَنْ تَرْتَفِعَ، وَبِإِبَاحَةِ الصَّلاةِ إِذَا اسْتَوَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَزُولَ، وَلَكِنْ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ مَنْ يَفْهَمُ الْفِقْهَ، وَيَدَّبَّرُ أَخْبَارَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا يُعَانِدُ الاحْتِجَاجَ بِالسَّكْتِ عَلَى النُّطْقِ، وَلا بِمَا يَزْعُمُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ الدَّلِيلُ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ خَالَفَنَا فِي هَذَا الْجِنْسِ:" لا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ" دَالٌ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ فَالصَّلاةُ جَائِزَةٌ، وَزَعَمَ أَنَّ هَذَا هُوَ الدَّلِيلُ الَّذِي لا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ، وَمَذْهَبُنَا خِلافُ هَذَا الأَصْلِ، نَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ النَّصَّ أَكْثَرَ مِنَ الدَّلِيلِ، وَجَائِزٌ أَنْ يُنْهَى عَنِ الْفِعْلِ إِلَى وَقْتٍ وَغَايَةٍ، وَقَدْ لا يَكُونُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ وَالْغَايَةِ دَلالَةٌ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ مُبَاحٌ بَعْدَ مُضِيِّ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَتِلْكَ الْغَايَةِ، إِذَا وُجِدَ نَهْيٌ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَمْ يَكُنِ الْخَبَرَانِ إِذَا رُوِيَا عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ مُتَهَاتِرَيْنِ مُتَكَاذِبَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ عَلَى مَا يَزْعُمُ بَعْضُ مَنْ خَالَفَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ الَّذِي أَعْلَمْتُ فِي كِتَابِ مَعَانِي الْقُرْآنِ، مِنْ قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلا: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَحَرَّمَ اللَّهُ الْمُطَلَّقَةَ ثَلاثًا عَلَى الْمُطَلِّقِ فِي نَصِّ كِتَابِهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَهِيَ إِذَا نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ لا تَحِلُّ لَهُ وَهِيَ تَحْتَ زَوْجٍ ثَانٍ، وَقَدْ يَمُوتُ عَنْهَا أَوْ يُطَلِّقُهَا أَوْ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِبَعْضِ الْمَعَانِي الَّتِي يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الْمَسِيسُ، وَلا يَحِلُّ أَيْضًا لِلزَّوْجِ الأَوَّلِ حَتَّى يَكُونَ مِنَ الزَّوْجِ الثَّانِي مَسِيسٌ، ثُمَّ يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالزَّوْجِ مَوْتٌ أَوْ طَلاقٌ أَوْ فَسْخُ نِكَاحٍ، ثُمَّ تَعْتَدُّ بِهِ، فَلَوْ كَانَ التَّحْرِيمُ إِذَا كَانَ إِلَى وَقْتِ غَايَةٍ كَالدَّلِيلِ الَّذِي لا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ أَنْ يَكُونَ الْمُحَرَّمُ إِلَى وَقْتِ غَايَةٍ صَلَّى لا بَعْدَ الْوَقْتِ لا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ، لَكَانَتِ الْمُطَلَّقَةُ ثَلاثًا إِذَا تَزَوَّجَهَا زَوْجًا غَيْرُهُ حَلَّتْ لِزَوْجِهَا الأَوَّلِ قَبْلَ مَسِيسِ الثَّانِي إِيَّاهَا، وَقَبْلَ أَنْ يَحْدُثَ بِالزَّوْجِ مَوْتٌ أَوْ طَلاقٌ مِنْهُ، وَقَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَمَنْ يَفْهَمْ أَحْكَامَ اللَّهِ يَعْلَمْ أَنَّهَا لا تَحِلُّ بَعْدُ، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَحَتَّى يَكُونَ هُنَاكَ مَسِيسٌ مِنَ الزَّوْجِ إِيَّاهَا، أَوْ مَوْتُ زَوْجٍ أَوْ طَلاقُهُ، أَوِ انْفِسَاخِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ عِدَّةٌ تَمْضِي، هَذِهِ مَسْأَلَةٌ طَوِيلَةٌ سَأُبَيِّنُهَا فِي كِتَابِ الْعِلْمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاعْتَرَضَ بَعْضُ مَنْ لا يُحْسِنُ الْعِلْمَ وَالْفِقْهَ، فَادَّعَى فِي هَذِهِ الآيَةِ مَا أَنْسَانَا قَوْلَ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ، فَزَعَمَ أَنَّ النِّكَاحَ هَهُنَا الْوَطْءُ، وَزَعَمَ أَنَّ النِّكَاحَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ عَقْدٌ وَوَطْءٌ، وَزَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ إِنَّمَا أَرَادَ الْوَطْءَ، وَهَذِهِ فَضِيحَةٌ لَمْ نَسْمَعْ عَرَبِيًّا قَطُّ مِمَّنْ شَاهَدْنَاهُمْ، وَلا حُكِيَ لَنَا عَنْ أَحَدٍ تَقَدَّمَنَا مِمَّنْ يُحْسِنُ لُغَةَ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ، وَلا مِمَّنْ قَبْلَهُمْ أَطْلَقَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ، أَنْ يَقُولَ جَامَعَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، وَلا سَمِعْنَا أَحَدًا يُجِيزُ أَنْ يُقَالَ، وَطِئَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، وَإِنَّمَا أَضَافَ إِلَيْهَا النِّكَاحَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ، تَزَوَّجِتِ الْمَرْأَةُ زَوْجًا، وَلَمْ نَسْمَعْ عَرَبِيًّا يَقُولُ وَطِئَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا وَلا جَامَعَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، وَمَعْنَى الآيَةِ عَلَى مَا أَعْلَمْتُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ يُحَرِّمُ الشَّيْءَ فِي كِتَابِهِ إِلَى وَقْتٍ وَغَايَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ حَرَامًا بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ أَيْضًا
حدثنا
يونس بن عبد الاعلى الصدفي ، حدثنا
ابن وهب ، واخبرنا
ابن عبد الحكم ، ان
ابن وهب اخبرهم، قال: اخبرني
عياض بن عبد الله ، عن
سعيد بن ابي سعيد المقبري ، عن
ابي هريرة ، ان رجلا اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، امن ساعات الليل والنهار ساعة تامرني ان لا اصلي فيها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" نعم،
إذا صليت الصبح فاقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس" وقال ابن عبد الحكم:" حتى ترتفع الشمس، فإنها تطلع بين قرني الشيطان، ثم الصلاة مشهودة محضورة متقبلة حتى ينتصف النهار، فإذا انتصف النهار فاقصر عن الصلاة حتى تميل الشمس، إنه حينئذ تسعر جهنم، وشدة الحر من فيح جهنم، فإذا مالت الشمس فالصلاة محضورة مشهودة متقبلة حتى يصلى العصر فإذا صليت العصر فاقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس" قال يونس: قال: صلوات، وقال ابن عبد الحكم:" ثم الصلاة مشهودة محضورة متقبلة حتى يصلى الصبح" قال ابو بكر: ولو جاز الاحتجاج بالسكت على النطق كما يزعم بعض اهل العلم انه الدليل على المنصوص لجاز ان يحتج باخبار النبي صلى الله عليه وسلم انه نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، فإباحة الصلاة عند بروز حاجب الشمس قبل ان ترتفع، وبإباحة الصلاة إذا استوت الشمس قبل ان تزول، ولكن غير جائز عند من يفهم الفقه، ويدبر اخبار النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعاند الاحتجاج بالسكت على النطق، ولا بما يزعم بعض اهل العلم انه الدليل على المنصوص، وقول النبي صلى الله عليه وسلم على مذهب من خالفنا في هذا الجنس:" لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس" دال عنده على ان الشمس إذا طلعت فالصلاة جائزة، وزعم ان هذا هو الدليل الذي لا يحتمل غيره، ومذهبنا خلاف هذا الاصل، نحن نقول: إن النص اكثر من الدليل، وجائز ان ينهى عن الفعل إلى وقت وغاية، وقد لا يكون في النهي عن ذلك الفعل إلى ذلك الوقت والغاية دلالة على ان الفعل مباح بعد مضي ذلك الوقت وتلك الغاية، إذا وجد نهي عن ذلك الفعل بعد ذلك الوقت، ولم يكن الخبران إذا رويا على هذه القصة متهاترين متكاذبين متناقضين على ما يزعم بعض من خالفنا في هذه المسالة ومن هذا الجنس الذي اعلمت في كتاب معاني القرآن، من قوله جل وعلا: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره، فحرم الله المطلقة ثلاثا على المطلق في نص كتابه حتى تنكح زوجا غيره، وهي إذا نكحت زوجا غيره لا تحل له وهي تحت زوج ثان، وقد يموت عنها او يطلقها او ينفسخ النكاح ببعض المعاني التي ينفسخ النكاح بين الزوجين قبل المسيس، ولا يحل ايضا للزوج الاول حتى يكون من الزوج الثاني مسيس، ثم يحدث بعد ذلك بالزوج موت او طلاق او فسخ نكاح، ثم تعتد به، فلو كان التحريم إذا كان إلى وقت غاية كالدليل الذي لا يحتمل غيره ان يكون المحرم إلى وقت غاية صلى لا بعد الوقت لا يحتمل غيره، لكانت المطلقة ثلاثا إذا تزوجها زوجا غيره حلت لزوجها الاول قبل مسيس الثاني إياها، وقبل ان يحدث بالزوج موت او طلاق منه، وقبل ان تنقضي عدتها ومن يفهم احكام الله يعلم انها لا تحل بعد، حتى تنكح زوجا غيره، وحتى يكون هناك مسيس من الزوج إياها، او موت زوج او طلاقه، او انفساخ النكاح بينهما، ثم عدة تمضي، هذه مسالة طويلة سابينها في كتاب العلم إن شاء الله تعالى، واعترض بعض من لا يحسن العلم والفقه، فادعى في هذه الآية ما انسانا قول من ذكرنا قوله، فزعم ان النكاح ههنا الوطء، وزعم ان النكاح على معنيين عقد ووطء، وزعم ان قوله عز وجل: حتى تنكح زوجا غيره إنما اراد الوطء، وهذه فضيحة لم نسمع عربيا قط ممن شاهدناهم، ولا حكي لنا عن احد تقدمنا ممن يحسن لغة العرب من اهل الإسلام، ولا ممن قبلهم اطلق هذه اللفظة، ان يقول جامعت المراة زوجها، ولا سمعنا احدا يجيز ان يقال، وطئت المراة زوجها، وإنما اضاف إليها النكاح في هذا الموضع كما تقول العرب، تزوجت المراة زوجا، ولم نسمع عربيا يقول وطئت المراة زوجها ولا جامعت المراة زوجها، ومعنى الآية على ما اعلمت ان الله عز وجل قد يحرم الشيء في كتابه إلى وقت وغاية، وقد يكون ذلك الشيء حراما بعد ذلك الوقت ايضا
(576) بَابُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ نَهْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ نَهْيٌ خَاصٌّ لَا عَامٌّ،
إِنَّمَا أَرَادَ بَعْضَ التَّطَوُّعِ لَا كُلَّهُ، وَقَدْ أَعْلَمْتُ قَبْلُ فِي الْبَابِ الَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهَذَا النَّهْيِ نَهْيًا عَنْ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ
إنما اراد بعض التطوع لا كله، وقد اعلمت قبل في الباب الذي تقدم انه لم يرد بهذا النهي نهيا عن صلاة الفريضة